محمد الريشهري
223
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
رويداً يُسفر الظلام ، كأن قد وردت الأظعان ، يوشك من أسرع أن يلحق ! واعلم أنّ من كانت مطيّته الليل والنهار فإنّه يُسار به وإن كان واقفاً ، ويقطع المسافة وإن كان مقيماً وادعاً . واعلم يقيناً أنّك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك ، وأنّك في سبيل من كان قبلك . فخفّض في الطلب ، وأجمل في المكتسب فإنّه رُبَّ طلب قد جرّ إلى حرب ، فليس كلّ طالب بمرزوق ، ولا كلّ مُجمل بمحروم . وأكرم نفسك عن كلّ دنيّة وإن ساقتك إلى الرغائب ، فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً . ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً . وما خير خير لا يُنال إلاّ بشرٍّ ، ويسر لا يُنالُ إلاّ بعسر . وإيّاك أن توجف بك مطايا الطمع ، فتوردك مناهل الهلكة . وإن استطعت ألاّ يكون بينك وبين الله ذُو نعمة فافعل ، فإنّك مدركٌ قسمك وآخذٌ سهمك . وإنّ اليسير من الله سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خلقه وإن كان كلٌّ منه . وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك ، وحفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء ( 1 ) ، وحفظ ما في يديك أحبّ إليّ من طلب ما في يد غيرك . ومرارة اليأس خيرٌ من الطلب إلى الناس . والحرفة مع العفّة خيرٌ من الغنى مع الفجور . والمرء أحفظ لسرّه . ورُبّ ساع فيما يضرّه ! مَن أكثر أهجر . ومن تفكّر أبصر . قارن أهل الخير تكن منهم . وباين أهل الشرّ تَبِن عنهم . بئس الطعام الحرام ! وظلم الضعيف أفحش الظلم ! إذا كان الرفق خُرقاً كان الخُرق رفقاً . ربّما كان الدواء داءً . وربّما نصح غير الناصح ، وغشّ المستنصح . وإيّاك واتّكالك على
--> ( 1 ) الوِكاء : الخيْطُ الذي تُشَدُّ به الصُّرَّة والكيسُ وغيرها ( النهاية : 5 / 222 ) .